حيدر حب الله
226
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
منهم ، ولا متمحّضاً في التاريخ ، وإن احتوى في بعض أجزائه على السيرة النبويّة ، ولا معدّاً في الأنساب ، وإن كان في كثير من الأحيان يبيّن شيئاً من ذلك ، بل هو جامعٌ لكلّ هذه الأنواع المتقدّمة معاً . وخلاصة القول : إنّ من أراد أن يكتب في السيرة النبوية الشريفة ، فعليه أن يطالع هذا الكتاب ، ومن أراد أن يؤرّخ لفترة الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، فلا يمكنه أن يستغني عنه في ذلك ، ومن أراد أن يقف على بعض المعلومات الأوليّة المتعلّقة بالأحوال الشخصيّة للكثير من الرواة ، فهو كتابٌ مليء بهذه المادّة . 2 - مصنّفات ابن مَعين يحيى بن مَعين ، أبو زكريا ، البغدادي ، ولد سنة 158 ه - ، وتوفّي في المدينة المنوّرة عام 233 ه - . كان ابن معين من المعروفين بالتشدّد في الجرح والتعديل ، حتى أنّه يركّز كثيراً على هفوات الرواة والمحدّثين وأخطائهم ، من هنا عدّه الذهبي ضمن المتشدّدين في النقد الرجالي ، بعدما قسّم علماء الرجال إلى فريقين هما : المتساهلون والمتشدّدون . والفريق الثاني يصعب أن ينفلت منهم شخص إلا ويرمونه بتضعيفٍ معين . وهناك أنواع كثيرة من التضعيفات التي لو توفّرت واحدة منها في الراوي لكفت في جرحه وضعفه ، فمنها ما يرجع إلى شخص الراوي ، ومنها ما يرجع إلى ما يعتقد من ديانة أو مذهب ، ومنها ما يرجع إلى ما حفظ من حديث ، أو إلى التدليس أو التخليط ، أو الخطأ والوهم ، إلى غيرها من أسباب التضعيف المعروفة . يعتبر ابن معين الأسبق والمتقدّم على أقرانه من ناحية التشدّد في الحكم على الحديث أو على الراوي ، فقلّما يمرّ عليه أحدٌ من الرجال ولا تجده يسجّل عليه مغمزاً ما ، حتى لم يسلم منه فطاحل الرجاليّين من علماء أهل السنّة ، وهذه في الحقيقة واحدة من الميزات التي تفرّد بها ابن معين ؛ فكان خبيراً من خبراء النقد الحديثي ، له حسّ نافذ في الكشف عن ما يمكن أن يتوقّف معه عن قبول الحديث أو ما شابه ذلك .